في واقع الحياة حقيقة اجتماعية تفرض نفسها على الإنسان؛ أي إنها تصوغه وتبني هيئة شخصيته. وفي المجتمع الكردي، وإن لم يكن ذلك عاماً، فقد استمرت ثقافة المقاومة وموقفها في مراحل كثيرة حتى يومنا هذا.
وفي شخصية المرأة الكردية تحديداً، يُعهد إليها بإرث الانتفاض في وجه الظلم بوصفه معياراً. وكانت الكريلا الطليعية بَلشين باز واحدة من الشابات اللواتي سرن على هذا الأثر، وخضن القتال والنضال من أجل الحرية بروح زيلانية.
الكريلا بَلشين باز، واسمها الحقيقي ليلى أحمد، من مدينة كوباني وتنتمي إلى عشيرة الشيخية. وُلدت في كنف عائلة وطنية، فنشأت بمشاعر حب الوطن. وكانت منذ طفولتها شخصية باحثة ونشيطة. وكلما كبرت تعمّق بحثها وتساؤلها في الحياة. وكانت المقاربات الضيقة التي ترى المرأة سلعة، أو مجرد كائن لخدمة الرجل، تولّد فيها التناقضات وتنمّي تساؤلاتها. وأدى ذلك إلى تعميق بحثها عن الحرية والحياة الحرة المشتركة. ومع وصول أمواج الثورة إلى أرض غرب كردستان، لم تتأثر ليلى وحدها؛ بل تأثرت مئات الشابات بالثورة، واتجهن صفاً بعد صف إلى داخلها وناضلن ضد مرتزقة داعش المتوحشين. وكانت الثورة، التي تسير بقيادة المرأة الحرة، تبني أثرها في العالم كله. ولا شك أن موقف المرأة الفدائية، المرأة الكردية التي تردد صداها في كوباني بحقيقة آرين، أسس ثقافة لا تحني فيها المرأة رأسها للعدو ولنظام السلطة. ومن أقاربها أيضاً ريفان، واسمها الحقيقي مدينة عثمان، التي نفذت عملية فدائية ضد مرتزقة داعش في حرب كوباني. تنتقل هذه المواقف النموذجية في المجتمع الكردي، كثقافة، من جيل إلى آخر. واتخذت ليلى الشابة أيضاً قرار الانضمام ضد عقلية داعش التي أدت دوراً أساسياً في استعباد النساء، وقاتلت إلى جانب مقاتلي الحرية في خنادق المقاومة ضد المرتزقة.
حققت حلم طفولتها بالقدوم إلى الجبال
بانضمامها إلى صفوف الحرية، أصبحت ليلى تُعرف بين رفاقها باسم بَلشين. ومن خلال مشاركتها في التدريب الأساسي، تعرفت مقاتلة الحرية بَلشين باز بصورة أعمق إلى حقيقة القائد آبو وموقف المرأة الحرة. وجسدت في شخصيتها الكيفية التي ينبغي أن يُبنى بها موقف المناضل ومعاييره. ومن جهة أخرى درّبت نفسها باحتراف على تكتيكات الحرب وأساليب القتال. ثم أخذت المقاتلة الشابة مكانها في الوحدات العسكرية، ومع الهجمات على عفرين اتجهت إلى جبهات القتال. وولدت حقيقة الحرب في عفرين والاحتلال المفروض عليها غضباً كبيراً فيها. ولمنع هذا الاحتلال تمركزت مع المقاتلين في الخنادق الأمامية. وبعد أن أدت مهمتها هناك بنجاح، توجهت هذه المرة إلى دير الزور ونفذت أعمالاً متنوعة ضد المرتزقة. ومن خلال هجمات الاحتلال تعرّفت بصورة أوضح إلى حقيقة عدو يعيش على حساب قيم الإنسانية. وأدركت أن احتلال العدو لا يقتصر على منطقة واحدة؛ بل يشن في حقيقته هجمات بلا حدود على كردستان كلها، ولا سيما الجبال الحرة. وبفهمها لهذه الحقيقة، واتباعاً لأحلام طفولتها، اتجهت إلى جبال كردستان وانضمت إلى الكريلا.
ما إن وصلت الكريلا ذات القلب الفولاذي إلى الجبال حتى انتقلت مباشرة إلى منطقة الشهيد دَليل في غرب زاب. وقد أنجبت تلك المنطقة، منذ بداية الحرب ضد الدولة التركية، كثيراً من المقاتلين والقادة الفدائيين. وخاض أولئك الأبطال القتال والنضال ضد جميع أنواع الهجمات، بمواقف فولاذية، داخل أنفاق المقاومة. وعلى تراكمات أولئك الأبطال، أخذت الكريلا بَلشين مكانها في تلك الأنفاق واكتسبت الخبرة. ومن دون أن تؤثر فيها صعوبات الساحة، حملت المهمات التاريخية على كتفيها بروح مسؤولة وشاركت في المقاومة بنشاط أكبر. ثم أُصيبت بَلشين في إحدى العمليات، وبعد شفائها أصرت على العودة إلى القتال. ولا شك أن منح جزء من الروح للوطن يحمل معنى بالغ القيمة. وقد حمّلت بَلشين هذا الواقع معنى أعمق وعاشت مشاعر الوطنية من القلب. وشاركت في العمليات بقدر ما سمحت لها قوتها، ووجهت ضربات ثقيلة إلى المحتلين. وفي شباط 2025 استشهدت الكريلا بَلشين باز في ساحة زاب مع رفيقيها القائدين ساريا قامشلو وبروسك شيراوا.
صارت شخصيات المناضلين الآبوجيين، مثل هؤلاء الأبطال، رموزاً لا تسقط لجميع محبي الحرية، ولا سيما للمجتمع الكردي، وسيُذكرون دائماً بمواقفهم المقاومة.
