تخيّلوا تاريخًا في ظلام دامس. تخيّلوا شعبًا أُبعِد عن حقيقة تاريخه. تخيّلوا أرضًا قُسّمت ومُزّقت من كل الجهات.
تلك الجغرافيا التي دُنّست، كان ينبغي أن تتزيّن بكل ألوانها. ذلك الوطن، وذلك الشعب العريق، الذي مرّ بكل الآلام والمعاناة، كان ينبغي أن يعي تاريخه، وأن يبلغ حريته.
كانت الجبال وحدها تحتضنه. كانت الجبال، بكل عظمتها وهيبتها، تتحوّل إلى سترٍ ودرعٍ لذلك الشعب العريق. وعندما حمل النضال اسم الحرية، ازداد معنى وعمقًا في كل القلوب الشابة والمتمرّدة.
هذه الجبال لا تفتح أبوابها لكل أحد. الذين يعشقون الحياة الحرّة يوجّهون وجوههم نحو تلك الجبال العالية والمتمرّدة. الذين تذوّقوا طعم الحرية يمشون على تلك السفوح والدروب. في قلوبهم أمل ومحبة لا نهاية لهما. قلوبهم حرّة. كل زهرة ينظرون إليها، وكل جبل يتوجهون نحوه، وكل درب يسيرون فيه، يجعلهم واحدًا مع الطبيعة. والطبيعة تحتضنهم، لأنهم أناس أصلاء.
في قلوبهم تغلي المشاعر. قلوبهم مملوءة بالأمل. الأمل في القلب. ولو لم يكن أملهم موجودًا، لبقي هذا القلب منذ زمن بلا طاقة. ولو لم يكن أملهم موجودًا، لما عرفت قلوبهم عِرق الحياة. إن ما يمسك قلوبهم المتعبة هو أمل الحرية. قلوبهم واسعة إلى درجة أنها تحمل الملايين في داخلها. ولهذا تحتضنهم الجبال، وتصبح لهم أمًّا. إنهم أبطال ومحاربو شعبهم.
وأحد هؤلاء المحاربين والأبطال هو الرفيق سيدار سرحد. هو ابن سرحد الملوّنة، تلك الأرض التي نهضت عبر التاريخ بالانتفاضات في وجه الأعداء. لقد رأى كل آلام شعبه، فسلك طريقًا مشرّفًا، وخاض النضال من أجل شعبه.
وُلد الرفيق سيدار سرحد في بازيد التابعة لمنطقة سرحد، وسط عائلة وطنية، وكبر في محيط وطني. لقد قدّم شعب سرحد، في تاريخ نضال حرية الشعب الكردي، الكثير من أبنائه فداءً. وفي وجه الاحتلال، والظلم، والسياسات القذرة للدولة التركية، لم يحنِ رأسه أبدًا. كان دائمًا ينهض بالانتفاضات والمقاومات في وجه العدو المحتل. ومهما مارست الدولة التركية من قمع، فإن ذلك الشعب العريق في سرحد لم يتخلَّ يومًا عن ثقافته، وحافظ عليها دائمًا.
وسيدار سرحد أيضًا جسّد في شخصيته حقيقة شعب سرحد المقاوم. منذ طفولته رأى الظلم والقهر الواقعين على الشعب الكردي، وكبر بمشاعر الثأر الثوري، كي يقاتل ذلك العدو المتعطّش للدماء.
كلما كبر سيدار، ازدادت تناقضاته عمقًا، ومن أجل حلّ هذه التناقضات دخل في حالة بحث وتساؤل. وإلى جانب هجمات الاحتلال، كان يتابع عن قرب موقف شعب سرحد المقاوم في وجه تلك الهجمات، وكذلك نضال القائد آبو وكريلا كردستان. ومع مرور الوقت كانت أبحاث سيدار تتعمّق أكثر. وحين ذهب إلى المدرسة، رأى سياسات الاحتلال التي تُمارَس ضد الشباب الكرد، وتعرّف بصورة أوضح إلى حقيقة الدولة التركية.
ومن أجل أن يفهم النظام الرأسمالي، واصل سيدار دراسته وذهب إلى الجامعة. وأثناء دراسته في الجامعة فهم أن الحياة داخل النظام الرأسمالي تُبعد الإنسان عن ثقافته الجذرية، وتقطع أوصال المجتمع. ورأى سيدار أن العيش بهذا الشكل غير ممكن، فواصل بحثه عن حياة حرّة.
لقد جاء الوقت الآن لكي ينهض الرفيق سيدار بمهام المرحلة، ويواصل مسيره على درب الحقيقة. ومن أجل حياة حرّة، ومن أجل حرية الشعب الكردي، لم يرَ أمامه طريقًا غير النضال. رأى سيدار أن النضال الأصح لا يمكن أن يتحقق إلا داخل حركة الحرية. وعلى هذا الأساس، ولّى وجهه نحو الجبال الحرّة.
كانت الجبال بالنسبة للشعب الكردي دائمًا الحصن الأقوى والأكثر أمانًا. وسيدار أيضًا رأى الحياة في جبال كردستان. وفي عام 2013، من مدينة قونية، ولّى سيدار سرحد وجهه نحو جبال كردستان، والتحق بصفوف الكريلا.
حين يكون الإنسان ثابتًا في هدفه وغايته، فإن الصعوبات والمشقات لا تعود عائقًا أمامه. وسيدار سرحد كان ثابتًا في هدفه وغايته. كان قد قرر أن يناضل من أجل حرية القائد وشعبه. ولهذا، في جبال كردستان، وداخل حياة الكريلا، تعمّق أكثر في دراسة تاريخ شعبه، ورأى حقيقة تاريخ الشعب الكردي. كان يفكّر فقط في كيفية هزيمة عدو الشعب الكردي. وخاض النضال داخل الكريلا في ساحات كثيرة. من خاكورك حتى زاب وكاره، مارس الكفاح الكريلاوي في مناطق الدفاع المشروع في ميديا.
كان الرفيق سيدار يكبّر أمله وابتسامته وفرحه وسط خضرة الشرارات الصاعدة نحو السماء. في حركة الحرية، حيث اكتسب الرفاقية على أساس صحيح، احتضن سيدار سرحد كل صعوبات ومشقات الحياة. جعل الحرية، والعيش بكرامة، والثورية، مبادئه وهدفه الأساسي الأكبر.
لقد أنجب التاريخ دائمًا أناسًا أبطالًا من طراز عكيد وزيلان. وسيدار أيضًا اتخذ هؤلاء الأبطال أساسًا له، وسار على خطاهم. كان يسير من أجل الحقيقة، ويخطو خطواته نحو حياة حرّة. كان يسير كي يبلغ الحقيقة. ومن أجل بلوغ القمم تجاوز كل العوائق. لم يترك أي عائق يقف أمامه. كان يسير بمعنويات عالية، وبحماس واندفاع كبيرين. وأي مهمة تقع على عاتقه كان ينجزها.
بعد أن خاض سيدار سرحد الممارسة في ساحات كثيرة، انتقل إلى التدريب الأيديولوجي. وفي التدريب، ومن أجل تجاوز نواقصه، ومن أجل أن يصبح كريلا المرحلة، قام بتعمّق قوي، ثم توجّه مرة أخرى نحو الممارسة. ومن أجل أن يعرّف الجميع بعدالة نضال حركة الحرية، وبالأخص كي يجعل قضية الحرية التي حملها الشهداء قضية تاريخية، انتقل إلى مركز الإعلام والصحافة لقوات الدفاع الشعبي. وفي هذا العمل قام بالكثير من الأعمال الناجحة.
سار الرفيق سيدار على خطى الكريلا والمخرج خليل داغ. كان يرى أن جعل حياة الكريلا تاريخية هو مهمته الأساسية. كما كان يريد أن يكون لائقًا بعلي كاني روج، وجيان آماركي، وآرجين. ولهذا خاض العمل بلا كلل. كان يريد أن يحقق أحلام رفاقه الشهداء. شارك في هذه الأعمال مدة قصيرة، لكنه ملأ كل لحظاته بالمعنى والعمل. ورغم أنه كان جديدًا في هذه الأعمال، طوّر نفسه خلال وقت قصير، وبإبداعه خلق تطورات في هذا المجال. أصبح كريلا صحافة كادحًا. كان يسعى دائمًا إلى أن يجعل رفاقه الشهداء، واحدًا واحدًا، جزءًا من التاريخ، وأن يعرّف بهم العالم كله.
ومن أجل أن يضع حياة الكريلا ونضالها داخل كادر كاميرته، ومن أجل أن ينجز عملًا حول الكريلا، توجّه نحو ساحات الممارسة. وبينما كان على رأس مهمته، في تاريخ 8 آب 2022، في منطقة كاره، ونتيجة هجوم جوي للدولة التركية، التحق بقوافل الخالدين.
الرفيق سيدار سرحد، في جبال كردستان، كان يحمل السلاح على كتف، والكاميرا على الكتف الآخر، ويوثّق كل لحظات حياة الكريلا. وبموقفه المتواضع ومعنوياته العالية، كان محبوبًا بين رفاقه. دخل قلب كل رفيق من رفاقه، وفي الوقت نفسه أخذ مكانه في قلب شعب سرحد أيضًا. أظهر سيدار للجميع إخلاصه لهدفه وغايته من خلال موقفه في الحياة. لقد خرج على طريق الحرية مؤمنًا بحقيقة واضحة، وحتى آخر لحظة من حياته سار على هذه الحقيقة، وأصبح مناضلًا فدائيًا للقائد آبو.
