إن الموضوع الذي أحاول تفسيره ليس إحياء ذكريات «العصر الذهبي» للماضي، ولا تخيّل «يوتوبيا» جديدة للمستقبل. ولا أرى معنى في إظهار قوة التصور في أي من الموضوعين.
ومع أن الذهنيات الاجتماعية مثقلة بتركيزات من هذا النوع، فإنها لا تمتلك قيمة التفسيرات والسرديات التي تقدم إسهاماً كبيراً في حقيقة المجتمع الأخلاقي والسياسي التي أحاول أساساً تفسيرها. ومع أننا لا ننكر إسهاماتها كلياً، فإنه ينبغي الوقوف عندها وجعلها موضوعاً لبعض السرديات مع إدراك أنها تؤدي أيضاً إلى محاذير.
من هذه الزوايا، ليس مفهوم الحداثة الديمقراطية محاولة للإخبار عن «عصر ذهبي»، ولا «يوتوبيا فردوسية» تخص المستقبل. كما أنه ليس عصوراً تاريخية أو أشكالاً اجتماعية من النوع الذي عالجه العلم الوضعي كثيراً. وسواء عولجت هذه السرديات التاريخية والاجتماعية بمناهج ميتافيزيقية أم وضعية، فإنني لا أتبناها منهجاً، كما أنني مضطر، من منظوري على الأقل، إلى القول إنها تنتج نتائج متشابهة وأن تفسيراتها للحقيقة والواقع ليست متماسكة كما تدعي كثيراً. أرى تجارب المادة التاريخية ضرورية قطعاً للتفكير، ولا أرى المادة التاريخية وحدها ضرورية، بل مادة الطبيعة وتجاربها أيضاً. وفي هذا الموضوع لا أتبنى موقفاً تجريبياً نموذجياً، ولا موقفاً مثالياً، أي الفكرية المطلقة، يدّعي على النقيض إمكان إنتاج فكر مستقل عن المواد والتجارب الطبيعية والتاريخية. وأعلم أن مؤلفات هائلة تشكلت بهذه المناهج على امتداد تاريخ الحضارة. ومع إيماني بضرورة الإحاطة بها، فإنني مقتنع أيضاً بأنها ليست مما لا غنى عنه لتفسير الحقيقة. وأريد القول إن تفسير الحقيقة ممكن من دونها. وأرى بوجه خاص أن المدرسة البحثية الوضعية الغارقة في وفرة مواد التاريخ في وضع بائس ومثير للشفقة. وبالمثل، لا أظن أن تنبؤات الشيوخ المفرطين في انعدام المادة، الذين يزعمون الكرامة لأنفسهم، وثيقة الصلة بالحقيقة. فهم أيضاً يعيشون وضعاً بائساً ومثيراً للشفقة.
لا يكفي انتقاد المقاربتين التجريبية والمثالية وحدهما. ومن المهم أيضاً التعامل نقدياً مع مناهج الكونية والتقدم الخطي والنسبية، وهي أشكال مختلفة لهاتين الطريقتين. فالحقيقة عموماً لا يمكن بناؤها أو اكتشافها بمنهج التقدم الخطي ولا بالمنهج النسبي. ولا شك أن مستوى الذكاء المرن والعالي للطبيعة الاجتماعية يقدم خياراً واسعاً من الحرية في بناء الواقع الاجتماعي، لكن هذا لا يعني، كما يدعي المنهج النسبي، أن «بوسع كل شخص أن يبني حقيقته كما يشاء». كما أن الحقائق نفسها لا تعني، على نحو ما يظن المثاليون، أنها «ستتحقق عندما يحين وقتها كما كُتبت في اللوح المحفوظ». ويبدو طريق الذهنية القائم على بناء الحقائق الاجتماعية، أي الطبائع الاجتماعية من العشيرة إلى الأمة والطبقة والدولة وغيرها، بوصفها حقائق جديدة عبر أفكار جديدة، انطلاقاً من المادة الاجتماعية الموجودة ضمن شروط الزمان والمكان المعطيين، أكثر المناهج واقعية، أو يمكن قبوله على هذا النحو.
ولو على سبيل التكرار، فإن ما أحاول شرحه هو ضرورة استناد المنهج حتماً إلى الطبيعة الاجتماعية، ولا سيما إلى المجتمع الأخلاقي والسياسي الذي أعتقد وأوقن أنه حالتها الأساسية في الوجود. وأحاول القول إن جميع المدارس الفكرية ومنجزات العلم والفلسفة والفن التي لا صلة لها بالمجتمع الأخلاقي والسياسي تولد مشوهة، وستؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى محاذير. وأحدد شرطاً أول هو أن تجعل جميع مسائل المنهج الواجب الالتزام بها، وجميع منتجات المعرفة والأخلاق والجمال، المجتمع الأخلاقي والسياسي أساساً لها. وأريد لفت الانتباه إلى أن كل منهج ومعرفة وأخلاق وجمال يتكون خارج هذا الشرط الأول سيكون غير موثوق ومشوهاً ومثقلاً بالأخطاء ومملوءاً بالقبح والشرور. وأوضح بإصرار أن هذه الأمور ليست آراء وأفكاراً شخصية تخصني وحدي، بل لها قيمة المعايير الأساسية على طريق الحقيقة.
بعد أن أوضحت مجدداً منهج مقاربتي للحداثة الديمقراطية، سيتبين أنني حاولت من خلال التحليلات حتى الآن تطوير مقاربة ذات جانبين. أما المسألة الأولى التي تصر التحليلات على تحديدها فتتعلق بأن نظام الحضارة تطور عبر التآكل المستمر للمجتمع ذي الطابع الأخلاقي والسياسي، وهو الحالة المعطاة للطبيعة الاجتماعية، واستغلاله وبناء احتكارات الاستغلال والسلطة عليه. هذه المسألة بالغة الأهمية وتقتضي حتماً فهمها وتقديم التحليلات اللازمة لذلك، وهذا ما حاولت فعله. وبحكم الظروف التي أعيشها، حاولت تحليل نظام الحضارة باستخدام المادة المتاحة، وإن كانت محدودة، ولكن أساساً عبر تفسير الحياة، حياتي، التي هي طريق الحقيقة الذي لا غنى عنه، متداخلةً مع هذه المادة. وفي رأيي لم يكن عرض مواد مفرطة أمراً ضرورياً، إذ كان ثمة خطر الغرق في التفاصيل. لكنني حاولت بالمعطيات المقدمة أن أوضح جلياً أنه لا يمكن أيضاً الاستغناء كلياً عن المادة.
كانت النتيجة هي: ضد من طُورت عصور الحضارة الهائلة بحكم الديالكتيك؟ ومع من وأين وكيف صاغت علاقاتها وتناقضاتها؟ وحتى بالحد الأدنى من المادة وقوة التفسير، لم أتردد في جمع كلمتي «ديموس» للدلالة على مجمل علاقاتها وتضاداتها و«كراتيا» بمعنى إدارة الذات وتقديمهما معاً، لأنهما كلمتان شائعتا الاستخدام ومعروفتان على نطاق واسع في العالم الفكري. ولا شك أن «ديموسكراتيا» لا تشمل جميع وحدات المجتمع الأخلاقي والسياسي. وربما تقابل تماماً «كونفدرالية العشائر» كما عيشت في حقبة ما في إيونيا. ولذلك ربما لا تشمل الوحدات الأخلاقية والسياسية الأدنى والأعلى وغيرها من الوحدات المختلفة؛ بل إنها لا تشملها بالفعل، لا على سبيل الاحتمال وحده. ومع ذلك لم أتردد في استخدام الكلمة، لاعتقادي أنها الأنسب بين الموجود حالياً. وإذا طُورت مستقبلاً مصطلحات أكثر ملاءمة فلن أتردد بالطبع في ضرورة استخدامها. فالمهم هو المضمون الذي تحتويه، وما نقصده بذلك المضمون.
أما الكلمة الثانية، «الحداثة»، فلا تحتاج إلى كثير من الشرح. فهي، كما هو متداول على نطاق واسع، تعبّر عن الفترات والعصور والأزمنة المعاشة ذات المعايير المحددة. وعليه، فبقدر ما توجد عصور حضارية توجد ديموسكراتيا وحداثات ديمقراطية، بل أكثر منها أضعافاً مضاعفة. ذلك أن ثمة كثيراً من وحدات المجتمع الأخلاقي والسياسي التي يمكنني تفسيرها بوصفها حداثات ديمقراطية، ولم تصل إليها أنظمة الحضارة كلياً ولم تستطع إدخالها في احتكار الاستغلال والسلطة. ويقدم التاريخ مادة وافرة في هذا الموضوع، وقد حاولت بدوري التطرق إلى عدد قليل جداً منها بوصفها أمثلة.
أما المسألة المهمة الثانية المتعلقة بالحداثة الديمقراطية فهي أن وحداتها لم تنظّم نفسها، أو لم تتمكن من ذلك، بقدر أنظمة الحضارة ومن حيث الثقافة المادية. ولأن الحضارات مضطرة إلى تشغيل أجهزة الاستغلال والسلطة الاحتكارية اليومية، فإن عليها أن تكون شديدة التجهيز والتنظيم أيديولوجياً، وأن تكون في حالة وحدة وفعل من حيث البنية المادية. والمادة التاريخية في هذا المجال وافرة إلى أبعد حد، ومن شاء وجد منها ما يشاء. أما وحدات الحداثة الديمقراطية فلا توجد في الموقع نفسه. والأدق أنها، بسبب تأرجحها المستمر بين موقع المقاومة وموقع الاستعمار، وبسبب عدم تطور الوحدات المستقلة الباقية في الزوايا والأنحاء وعلى رؤوس الجبال ووسط الصحارى كثيراً، لا تستطيع امتلاك المنظومة نفسها من البنية الأيديولوجية والمادية. ولا أريد القول إنها لا تستطيع تطوير أي نظام أو أيديولوجيا أو بنية. فالتاريخ بلا شك مملوء بثقافات أغنى بكثير من البنى الأيديولوجية والمادية التي قدمتها هي أيضاً. ومع أنها لا تُكشف كثيراً بسبب الهيمنة الأيديولوجية للحضارة، فإنه ينبغي ألا نشك قط في أن التاريخ يقدم معطيات غنية جداً في هذا الاتجاه.
حاولت حتى يومنا هذا تتبع طرفي الحضارة كليهما في خطوطهما العامة. وعلى الرغم من كل ترتيبي الخشن، أعتقد أنني عكست الاتجاهات الرئيسية ولو بصورة غير كافية. وسيُلاحظ أنني حاولت بوجه خاص تحليل الحداثة المسماة رأسمالية تحليلاً شاملاً. وفي المقابل يمكن تتبع أنني عرضت أيضاً خصوم مرحلة الحداثة نفسها على نحو أشمل ومع انتقادات معينة. والنتيجة التي ينبغي استخلاصها من هذه الانتقادات تتعلق بوضوح بالمهمة التي تواجهها الحداثة الديمقراطية لإعادة بناء نفسها. ونحن نعلم أن قوى الحداثة الرأسمالية الرسمية، بقيادة الليبرالية، وبكل قواها وإمكاناتها، ماهرة وذات خبرة كبيرة في تقديم نفسها في كل هيئة، سواء جددت نفسها أم لم تجددها. ولا يمكننا قول الأمر نفسه عن قوى الحداثة الديمقراطية. ويمكن في تجارب التاريخ والماضي القريب على السواء أن نرى بوضوح، في موقفها من الليبرالية، كيف جرى تذويبها أيديولوجياً وكيف فقدت وضوحها. ولكي لا تقع قدر الإمكان في هذه الأوضاع، وعلى الأقل كي لا تمنح فرصة أخرى للمواقع المأساوية المليئة بالآلام في الماضي القريب، فإن توضيح مهام إعادة بناء وحدات الحداثة الديمقراطية يكتسب أهمية كبيرة.
أقصد بالوحدة جميع الجماعات والأفراد والحركات التي تعرف وتعيش، قليلاً أو كثيراً، وضعها المناهض للنظام. وللأسف فإن هذه الوجودات التي تشكل الغالبية الساحقة من الطبيعة الاجتماعية توجد بوصفها قوة نوعية أدنى بكثير من كثرتها العددية. وينبغي أن تستهدف إعادة البناء قبل كل شيء إكساب كثرتها الكمية قوة نوعية. وإذا لم ننس ولو للحظة مدى شمول وتشابك شبكات الاحتكار التجارية والصناعية والمالية والأيديولوجية وشبكات السلطة والدولة القومية على النطاق العالمي، ومدى مباغتتها وتدميرها لأهدافها، فمن الواضح أن إعادة بناء وحدات الحداثة الديمقراطية واكتسابها قوة تتناسب مع كثرتها مهمة لا يمكن تأجيلها، على الأقل لإزالة الاختلال الهائل في التوازن بينها. ويمكن تحديد هذه المهام تحت ثلاثة عناوين رئيسية. وهذه المهام الثلاث المترابطة ترابطاً وثيقاً ذات أبعاد فكرية وأخلاقية وسياسية. غير أن الصلة الوثيقة والمتبادلة بينها لا تلغي ضرورة استقلالها المؤسسي المطلق؛ بل على العكس، ينبغي لكل مجال أن يحافظ بوصفه مؤسسة على استقلاله في التاريخ والحاضر والمستقبل، وإلا فلن يستطيع أداء وظائفه كما ينبغي. ومن المسائل الواجب حلها توضيح المؤسسات والمهام المتعلقة بمجالات العمل هذه التي عاشت متداخلة كثيراً في التاريخ، وتنظيم الكيفية التي يمكن أن تتعاون بها.
