HPG

قوات الدفاع الشعبي الكردستاني

الكلان والمرأة

إن مكانة الكلان وفهم الحياة الكلانية في ماضي الإنسانية أمران مهمان جداً. فإذا لم نفهم حياة الكلانات جيداً، فلن نستطيع أن نعطي معنى للأنظمة المبنية في يومنا الراهن.

يتناول القائد آبو هذا الموضوع في كل مرافعاته بوصفه موضوعاً أساسياً. لذلك، وفي كل تقييم وشرح، من الضروري لنا أيضاً أن تكون هذه الطريقة أساساً. فلنواصل تفسير الكلانات في إطار مرافعات القائد آبو.

الكلان أساسه الأم. وقد كنا قد تحدثنا عن الكلان ولو قليلاً في كتابات أخرى. أما هذه المرة فسنتوقف عند بعض الجوانب الأخرى. في الكلانات تتمثل المسألة الأساسية في التكاثر بالولادة والحماية العددية. المرأة تنجب الطفل، وتعتني به وتربيه. وهذا امتياز كبير أمام الكائنات الحية الأخرى. ولهذا السبب يجعل هذا المرأة أو الأم مقدسة. لأن استمرار الكلان يتم بهذه الطريقة. ولذلك يحقق الكلان تماسكه حول المرأة. وفي هذه المرحلة تنشأ كل أعمال التكوّن الاجتماعي بقيادة المرأة.

هنا يكون جمع المرأة للغذاء ضرورة. لأن عليها مهمة استمرار الأجيال. ففي كل الأحوال، حين تكون المرأة حاملاً أو تكون قد أنجبت للتو، لا تستطيع أن تذهب إلى الصيد لأسابيع. ولهذا يكون هذا العمل، أي الصيد، مهمة الرجل. هنا توجد معيشة ذاتية واستمرارية طبيعية.

هذا المجتمع، الذي يتفاهم بلغة الإشارة، ينتظم بتوجيه المرأة وميلها. هنا تكفي حركة واحدة من المرأة، حركة يد أو ابتسامة أو نظرة منها.

ففي ذلك الوقت كانت مجالات حياتهم هي الكهوف وجوانب الكهوف. وكانوا يعيشون أيضاً فوق الماء وعلى الأشجار العالية. وهذا أيضاً من أجل حماية أنفسهم. الكلان واحد. في الكلان لا توجد عائلة ولا زواج. الأساس هو جذر المرأة. أي لا وجود للرجل بهذا المعنى. لا يوجد شيء من قبيل فلان زوج فلانة أو فلانة زوجة فلان. في ذهنية ذلك الزمن لا يوجد مثل هذا الشيء. لكن أخ الأم أو الخال والأخت لهم مهام.

الوسائل والأدوات المستخدمة في ذلك الزمن كانت حجارة مصقولة. أما هوية الكلان فتتشكل مع تطور اللغة الرمزية. هنا يصبح من الضروري أن يُشرح المجتمع بالمفاهيم. ولهذا السبب فإن الهوية الأساسية هي الكلان. أما ذهنية ذلك الزمن فهي الأنيمية. وكما هو معروف، فالأنيمية ترى الطبيعة وكل أنواع المادة كائنات حية. وفي ذلك الزمن أيضاً كل مادة حية. عندما تُقتل غزالة يُطلب منها السماح. أو عندما تُقطع شجرة، يُطلب منها السماح أيضاً، وما لم تكن هناك ضرورة أو إلزام، لا يُقتل حيوان ولا تُقطع شجرة. وبالطبع، لأنهم يستفيدون منها أيضاً، فهي مقدسة بالنسبة إليهم.

انتشرت الكلانات قبل ثلاثة ملايين سنة من خط الريفت في شرق أفريقيا إلى العالم. وسبب هذا الانتشار هو ازدياد العدد وتغير جغرافيا المكان هناك. لأن تلك المرحلة كانت عصراً جليدياً، وقد ذاب كثير من الجليد، كما أن ارتفاع المياه لم يترك إمكانات للحياة. والجسد الذي تعود على الجليد قد لا يكون استطاع، بعد ذوبانه، أن يتكيف. إذا فكرنا في الماموث فستتضح الحالة بصورة أفضل. إما أن يهاجروا أو يندثروا. وبعد مليوني سنة يصلون إلى ميزوبوتاميا وآسيا وأوروبا. لكن في هذه الهجرة أو تغيير المكان تختفي الرئيسيات المسماة نياندرتال وهوموريت. ووفقاً لعلماء الآثار والأحياء، دخل النياندرتال في علاقات مع رئيسيات أخرى وتغير بالتطور. وبعد العصر الجليدي الرابع، قبل عشرين ألف سنة، يذوب الجليد. وهذا يجلب معه تغير الفصول. والذين يقاومون هذه التغيرات الفصلية أو يغيرون أنفسهم أو يتكيفون معها يبقون واقفين. وها هو أحد هذه الأنواع أو الرئيسيات، الهومو سابينس، يبقي نفسه قائماً بكل هيبته! أي نستطيع أن نقول إن الهومو سابينس هو إنسان ما بعد ذوبان الجليد، وهذا النوع يبدأ معه العصر النيوليتي. وبالطبع، قبل النيوليتي عاشت مراحل مثل الباليوليتي والميزوليتي (15000-10000 قبل الميلاد).

هذه الكلانات تستقر خصوصاً في البداية في ميزوبوتاميا العليا، في مناطق مثل نوالا جوري (رها)، گري كورتيك (بسميل-آمد)، وقوتي برجَم (أرگاني). وعندما ننظر إلى هذه الأماكن، وبخاصة في أرگاني قوتي برجَم -وقد رأيتها أنا أيضاً بنفسي- توجد على أعلى أفواه الكهوف نقوش رمزية للأم والطفل. قبل اثني عشر ألف سنة كانت تُبنى في الكهوف حياة ذات نظام. إنه نظام متقدم جداً جداً. تُدجّن الحيوانات. تُمارس الزراعة. يتجهون نحو تأسيس القرى. يزرعون الأعشاب والنباتات. يصنعون الجرار والأوعية، وبهذه الطريقة يخفون فيها غذاءهم الزائد. يُرى النسيج. يصنعون لأنفسهم ثياباً من الصوف. يزرعون القمح. وعندما ننظر إلى مسار التاريخ نرى أنهم في مرحلة تل حلف (6000-4000 قبل الميلاد) يدخلون تماماً إلى القرى، وهذه الأنواع من التطورات تبلغ في تلك المرحلة مستواها الأكثر تقدماً. ويُستخدم الحمار أيضاً لحمل الأثقال. كان مهماً بالنسبة إليهم مثل شاحناتنا اليوم.

هنا توجد ثورة، وهذه الثورة هي أعظم ثورة. يقال إن تلك التطورات الثورية في ذلك الزمن تعادل ثورات أوروبا الممتدة أربعمئة عام. ولو لم تكن هذه التطورات موجودة، لما كان ممكناً أصلاً الانتقال إلى حياة ذات نظام، ولا كانت خطوات التحضر لتُلقى. كذلك لم تكن الاجتماعية لتتقدم. وأهم وضع هنا هو أن الجمع والصيد في السابق كانا ليوم واحد، وكانا يُستهلكان اضطراراً. لكن بعد التخزين والحفظ، يكبر المجتمع أكثر فأكثر. تظهر زيادة في الغذاء والمنتجات. صار هناك فائض من الممتلكات والمواد. صار أكثر مما يؤكل يومياً أو سنوياً. على سبيل المثال، يصنعون جراراً كبيرة ويخزنون فيها قمح سنة كاملة. أو يشكلون قطعاناً من الحيوانات التي دُجنت، ومتى احتاجوا يستفيدون من حليبها وصوفها ولحومها. ومع ذلك تُمارس الزراعة بالنير وبالحيوانات القوية. وهذا يضطر الكلان إلى تكبير شكله، وبهذه الطريقة، مع تلاقي الكلانات، تتشكل القبيلة. ومن الآن فصاعداً توجد في القبائل حالة مختلفة: الزواج والعائلة والشامان. ومع أن هذه المفاهيم الثلاثة لم تكن في تلك الأزمنة ضارة كما هي في يومنا الحالي، فإنها تكفي لتصبح أساس كل الشرور والسيئات، وتُلقى الأسس أو بذور الحضارات الدولتية.