هناك مرحلة ما زالت آثارها حاضرة في قضايا كثيرة حتى يومنا هذا. هذه المرحلة، التي عاشت بين عامي 800 و200 قبل الميلاد، تمثل نقطة تحول أثرت بعمق في تاريخ اليونان القديمة، ومنذ ذلك اليوم في رؤية مجتمعات العالم كلها.
وتسمى هذه المرحلة، كما هو مقبول عموماً، “العصر المحوري” (Axial Age)، وقد طرحها لأول مرة كارل ياسبرز. وبحسب ياسبرز، فإن هذا العصر مرحلة أعيدت فيها صياغة أنظمة التفكير والقيم الأخلاقية في جغرافيات مختلفة على نحو متشابه. أي إنها عملية تحول منهجية. ومن الضروري، بالنظر إلى المكان الذي عاش فيه العصر المحوري، أن تُدرس بعمق آثاره في اليونان القديمة، وأن يُتناول النظام العالمي عموماً. فمن دون فهم هذه المرحلة سيبقى ناقصاً السعي إلى فهم الفكر السائد في ذلك العصر والتغيرات في الرؤية إلى العالم.
يعرّف ياسبرز العصر المحوري بأنه مرحلة بدأت فيها الإنسانية مساءلة وجودها، وابتعدت عن السرديات الأسطورية واتجهت إلى التفكير العقلاني. وفي هذه المرحلة ظهرت، في جغرافيات مختلفة مثل الصين والهند وإسرائيل واليونان، مساع أخلاقية وميتافيزيقية متشابهة. ومن بين النقاط المشتركة المسؤولية الفردية، ومبادئ الأخلاق الكونية، ومواجهة الخوف من الموت، والسعي وراء الحقيقة النهائية.
يشير القائد آبو في بيان السلام والمجتمع الديمقراطي إلى أن لهذه المرحلة خمسة فروع انطلاق، ويقول ما يلي: “في هذا العصر تنطلق خمس أيديولوجيات كومونالية كبرى. وتشكل الزرادشتية الموقع المركزي. وبعدها تأتي لاو تسي في الصين، وبوذا في الهند، والأيديولوجيا اليهودية، وفلسفة سقراط. وهذه الانطلاقات الخمس كلها انطلاقات قائمة على الكومون. بل إنها انطلاقات أكثر شيوعية بأربعين مرة من شيوعية ماركس.”
هذه الفروع الخمسة العظيمة في العصر المحوري هي انطلاقات كومونالية وشيوعية. لاو تسي يمثل الكومونالية، وكونفوشيوس يدولنها. هناك تاريخ كومون وكومونالية. لاو تسي يطور الكومونالية الحقيقية للمضطهدين. وكونفوشيوس يجعلها أرستقراطية ويحولها إلى أيديولوجيا دولة. عند اليونان الإغريق، الكومونالي الحقيقي هو سقراط. أفلاطون يقدم ما أخذه من سقراط إلى الأرستقراطية في مؤلفه “الدولة”. مؤلف الدولة هو أيديولوجيا الدولة. كونفوشيوس مراجع دولتي كبير. الصين الراهنة تمارس الكونفوشيوسية. كونفوشيوس يحقق الانتقال من نظام الطبقات الوراثية إلى الدولة، تماماً كما فعل أفلاطون. فهما يعيشان أصلاً في العصر نفسه. وفي اليهودية أيضاً، سليمان وداود دولتيان من البداية إلى النهاية، لكن صموئيل كومونالي عظيم. هذا الانقسام الأول يبدأ في القصور.”
وعندما نتناول الأمر على هذا الأساس، سيتضح أن هذه المرحلة، في مجالات كثيرة من العلم إلى الفن، ومن الأدب إلى الفلسفة، هي كما يبين القائد آبو، أساس الانطلاقات الشيوعية التاريخية والانقسامات.
إذا واصلنا الموضوع، فقد ذكرنا أن العصر المحوري عيش أساساً في اليونان القديمة. في اليونان، يبدأ العصر المحوري في المرحلة التي تلت ملاحم هوميروس. وفي هذه المرحلة، بينما بدأت السرديات الأسطورية تفقد أهميتها تدريجياً، تقدمت الفلسفة والتفكير العقلاني إلى الواجهة. ويمكننا تحديد هذه التغيرات على النحو التالي:
التغير في الموسيقى والشعر: حلّت محل قصائد هوميروس الملحمية أنواع موسيقية جديدة تعبّر عن الغنائية والمشاعر الشخصية. وهذا التغير يدل على ازدياد أهمية التجربة الفردية.
التحول في البنية السياسية: أُنشئت دول المدن، أي البوليس، بدلاً من الممالك. وقد أدى ذلك إلى زيادة المشاركة السياسية وتغير دور الفرد في الحياة الاجتماعية. ولم يبق هذا التغير محصوراً في ذلك فقط، بل يمكن اعتباره أساس النظام السياسي الممتد إلى يومنا هذا.
ولادة الفلسفة: إن أهم خصائص العصر المحوري هي ولادة الفلسفة التي تعالج تساؤلات الإنسان الأساسية بوصفها فرعاً علمياً. حاول الفلاسفة الذين بدأوا مع مدرسة ميليتوس، مثل طاليس وأناكسيماندروس وأناكسيمينيس، تفسير المادة الأساسية للكون وتكوّنه عبر العقل. نقل سقراط الفلسفة إلى الشوارع وشجع الناس على الوصول إلى المعرفة الصحيحة. وأكد أهمية القيم الأخلاقية بمبدأ “اعرف نفسك”. ودافع أفلاطون عن وجود عالم الأفكار إلى جانب العالم الحسي. وقد طرحت هذه النظرية فكرة أن الواقع قد يمتلك بعداً مختلفاً عما ندركه. أما أرسطو فقد طور علم المنطق وجعل عمليات الاستدلال منهجية. وحاول فهم الطبيعة بطرائق الملاحظة العلمية والتصنيف.
أحدث تأثير العصر المحوري في اليونان القديمة تغيرات مهمة في الرؤية إلى العالم. وهكذا تحقق الانتقال من الأسطورة إلى العقلانية. فبدلاً من الآلهة والقصص الأسطورية، التي كانت الشكل الأساسي للسرد حتى ذلك العهد، بدأت تظهر التفسيرات العقلانية والتمحيصات المقابلة لها. وازداد دور الفرد في الحياة الاجتماعية، وتقدم التفكير الفردي والحرية إلى الواجهة. وأعيد تقييم القيم الأخلاقية مثل الصواب والعدالة والفضيلة، ووُضعت على أسس عقلانية. ومع تطور ثقافة وفهم فكري مشتركين بين دول المدن المختلفة، ظهر شكل كوني من التفكير.
