گاريسا شاهدة قصة الكفاح المسلح. أم كل الأحداث والتجارب. إلى جانب كل تل عال، أو خلف كل شجرة، هناك حادثة لم تُعرَف ولم تُسمَع ولم تُفسَّر بعد.
لمعنى گاريسا في حرب الكريلا مكان خاص. وكلمة بوتان في تاريخ الكفاح المسلح صارت كلمة عذبة تُلفظ وتُحلّي فم كل من ينطق بها.
گاريسا صاحبة قوة وهيبة، موضوع لا مثيل له. لذلك لا تستطيع قوات العدو أن تمر سريعاً إلى كل مكان في هذه المنطقة. إنها صاحبة جبال عالية وحصينة وصعبة. من جهة چاجه ومن جهة أخرى جبل پيرو؛ أما هيركول فهي أصلاً أم كل الكريلا. ليست اليوم فقط، بل في التاريخ أيضاً لها اسم وشهرة كبيران. فمن جهة العلو والحصانة، ومن جهة أخرى الحروب والاشتباكات التي وقعت في هيركول، كانت في عين العدو كالحاجز. لذلك كان خوف كل الجبال في ذهن العدو، لكن خوف گاريسا، وخاصة هيركول، كان مختلفاً. النضال الذي طوره الكريلا في هذه المنطقة، والمعنى الذي أعطاه لها، كانا قد حُفرا كخريطة في تاريخ الكفاح المسلح.
منذ أن بدأت الحرب، تغيّر معنى الحياة بالنسبة إلى شعب هذه المنطقة في گاريسا. تلك الحياة التي كانت من قبل تئن تحت ظلم العدو وقهره فقدت معناها مع الكفاح المسلح. ومنذ عام 1989 صارت گاريسا معسكراً للكريلا، وكأنها تحررت من صقيع الشتاء وجليده وفرحت بقدوم الربيع.
كانت الذكرى العاشرة للكفاح المسلح قد احتُفل بها، لكن الحرب في ذلك العام كانت أصعب من كل السنوات الماضية. انطلق العدو بكل وحشيته، وكان يأتي على الكريلا بعمليات تمشيط كبيرة. كان شعار العدو "إما أن ننهيهم، أو ننهيهم" يتردد في كل مكان. أما الكريلا فكان يتحرك بشعاره: "إما النصر، أو النصر". وفي كل أنحاء المنطقة كانت تُقام مقاومات كبيرة وملاحم حرب. وهكذا ظل التنافس الذي بدأ في الأشهر الأولى من ذلك العام مستمراً بكل صعوبته.
كانت الأيام تمضي والشهور تأتي. كان العام يتجه نحو نهايته. والكريلا، كما في كل عام، كانوا يستعدون لمعسكراتهم. لكن العدو في ذلك العام، لكي يقطع الشعب عن الكريلا، لم يترك تقريباً قرية تساعد الكريلا في ناحية گاريسا. أي إن تلك القرى أخذت نصيبها أيضاً من وحشية العدو. إما أُحرقت كلها، أو هُدمت. وفي النهاية هاجر القرويون وتركوا ديارهم خلفهم. تلك القرى التي بُنيت منذ آلاف السنين بقيت الآن كأنها أطلال. لم يبق إلا البوم ينعق على الجدران الشاهدة. بقيت في المنطقة بضع قرى حراس فقط اتخذها العدو سنداً وظهيراً له. وبقوا هناك أيضاً من أجل أمن العدو. أي بقيت في المنطقة عدة قرى وضع العدو قواته فيها. لكن في الجبال العالية بقي أيضاً حراس هذه الجبال، الذين يناضلون من أجل حرية هذه الديار وهذا الشعب. ورغم أنهم قضوا هذا العام بحرارة الحرب، فإن الفصل لم يكن كالفصول السابقة. أي إن الحرب كانت ستتوقف قليلاً بصورة طبيعية في الشتاء.
كان الضباب قد بلغ قمم الجبال العالية؛ ولم تعد تخلو من الضباب والسحب. كان الشتاء يُظهر زينته للجميع. والثلج الأبيض مدّ ثوبه على كل مكان مثل طرحة عروس. صارت گاريسا، بكل هيبتها، لوناً واحداً. لون الثلج أخفى كل جمال گاريسا تحته. وصار الكريلا ضيوف هذه الديار. جعلوا هذا المكان وطناً لهم، ومن أجل تحقيق أملهم كانوا يتحملون كل برد وصقيع. لذلك كان على مجموعة من الرفاق أن تذهب إلى قرية إرس لجلب مؤونة الطعام، كي تُخرج التموين الذي أخفوه هناك من قبل وتأتي به إلى وحدتهم.
بعد وقت طويل وصلنا إلى المكان الذي أخفينا فيه مؤونتنا. جهّز كل الرفاق أحمالهم، وعدنا في طريقنا. لكن قبل أن نخرج من قرية إرس، جلسنا تحت سنديانة والتقطنا أنفاسنا. بعد شرب سيجارة، كانت الساعة تقترب من السابعة مساء. كان العالم يظلم شيئاً فشيئاً. مشينا مدة، لكن عاصفة هبت بحيث لم نعد نستطيع فتح أعيننا. كان الثلج والمطر يهطلان حتى صار كل مكان أبيض. وبعد أن مشينا قليلاً فهمنا أننا أضعنا الطريق. من المكان الذي دخلنا فيه الطريق وحتى السادسة صباحاً كنا نذهب ونأتي وسط الثلج. وكلما مضى الوقت كانت الريح والعاصفة والثلج والعاصفة الثلجية يزدادون قوة. حتى إن السلاح صار يلتصق بأكتافنا من شدة البرد. كادت ركب كل الرفاق ترتخي، وكنا بالكاد نستطيع مواصلة السير. الطريق الذي كنا نستطيع قطعه في نصف ساعة سابقاً، لم نعد ننهيه حتى في ثلاث ساعات من التعب. ورغم أن كل رفيق كان يستخدم كل قوته لكي نخرج سريعاً من هذا الوضع، فإن ثقل الحمل من جهة، والعاصفة من جهة أخرى، كانا يضعفان هذه القوة والإرادة. كنا نضعف، ولم نعد نستطيع التقدم كما كنا نأمل.
فجأة جاء الخبر من الخلف وقيل: "الرفيق آراس والرفيقة خريب لم يعودا قادرين على المشي." حاولنا أن نحرّك جسديهما قليلاً كي يقوما ويمشيا معنا. لكن هذين الرفيقين، كطائرين عشهما وسط الثلج، كانا يقولان: "أوصلوا أنفسكم إلى الرفاق، وإلا فستصيرون مثلنا."
كلما نظرت إليهما وإلى الحالة التي كانا فيها، كانت رفاقيتنا الطويلة تظهر أمام عيني مثل ذلك الثلج وتلك العاصفة. الأيام التي كنا نتجول ونمشي ونضحك فيها معاً كلها كانت تسقط أمام عيني كصور قديمة.
كان الثلج يزداد قسوة ويفسد طريقنا. وبعد أن ابتعدنا قليلاً عن رفيقينا آراس وخريب، قال رفيق آخر أيضاً: "اذهبوا!" حاولنا أن نرفعه على قدميه، لكن جسده كان قد صار كقالب جليد؛ كان بالكاد يستطيع الوقوف.
اضطررنا مرة أخرى إلى أن نترك ذلك الرفيق خلفنا. من جهة لم تكن أيدينا تنفصل عن أولئك الرفاق، ومن جهة أخرى كنا مضطرين إلى مواصلة الطريق لإنقاذ الرفاق الآخرين. وبعد أن صار الطريق صعباً جداً، كان كل مرة يفتح أحد الرفاق الطريق في الثلج بالدور. في كل مرة كان رفيق يتقدم ويمزق الثلج. وكلما مشينا قليلاً كنا نطلق رصاصة ونمرر أيدينا على سبطانة السلاح كي تدفأ قليلاً.
بعد مسير طويل بدأت أنوار الصباح تظهر رويداً رويداً. انفتح العالم، والثلج والعاصفة انسحبا إلى الأماكن العالية. كنا نريد أن نصل سريعاً إلى النبع فوق قرية شوكال. قرب النبع كان هناك كهف. بعد ساعة وصلنا إلى قرب الكهف. وكان الرفاق قد سمعوا أصوات أسلحتنا، فجاؤوا أيضاً كسرعة الريح لنجدتنا. دخلنا جميعاً إلى الكهف. دلّك الطبيب وكل الرفاق أجسادنا كي يعود الدم إلى الدوران فيها...
ملاحظة: بعد ذوبان الثلج، وجد الرفاق جثامين أولئك الرفاق ودُفنوا بمراسم عسكرية.
باهوز كوچر
