يتجمّع الباحثون عن الحياة ذات المعنى في جبال كردستان. أصحاب القلوب الكبيرة يتجمّعون في صفوف الكريلا. فحياة الكريلا حياة درويشية. وبالنسبة لأصحاب القلوب الثورية، بات كل نَفَس وكل خطوة من أجل حياة ذات معنى.
في جبال كردستان، وفي أجمل سنوات شبابها، كانت نوال ماردين، واسمها الحقيقي نودم كورت، واحدة من اللواتي آمنّ بعظمة الثورة في قلوبهن، وشعرن بها، ولم يُدرن وجوههن عن النضال. بقلبها النقي والصافي، انضمت إلى صفوف الثورة، وشاركت في البحث عن الحقيقة بلا خوف وبروح فدائية. سارت نوال ماردين نحو العدو بروح فدائية، وبلغت مرتبة الشهادة. أمّا ما تركته خلفها فهو معنى المسؤولية تجاه شعبها، وكيف ينبغي أن تُعاش الصلة بالحياة الحرة.
«كانت دائماً في أثر الحقيقة»
هاجرت عائلة كورت إلى إزمير في تسعينيات القرن الماضي بسبب الضغوط وحرق القرى في كردستان. خطت نودم أولى خطواتها في الحياة بعيداً عن وطنها. ومنذ طفولتها شهدت ضغوط العدو ضد الشعب الكردي. وبهذا الوعي بدأت نودم بحثها عن الحقيقة. شاركت أولاً في أعمال الشبيبة. وفي عمر مبكر أخذت مكانها في الأعمال بروح ثورية خلقتها في ذاتها. وبالمسؤولية التي منحتها إياها تلك الأعمال، شاركت بلا خوف.
ومهما كانت تبحث، بمشاعرها الأكثر نقاءً وبكل روحها المقاومة، عن حقيقتها المفقودة، فقد كانت تدرك دائماً أن جانباً ما يبقى ناقصاً في هذا البحث. كان اشتياقها إلى كردستان نابعاً من وعيها بجذورها. ورغم أن نودم كانت تدرك أنها تناضل من أجل هدف، فقد كانت تعرف أيضاً أن هذا النضال سيكتسب معنى أكبر إذا خاضته في المكان الذي فُقدت فيه الحقيقة، أي في كردستان. ولهذا كانت تحلم دائماً بالنضال القاسي الذي يُخاض في كردستان.
«كانت في كردستان التي اشتاقت إليها وحلمت بها»
في عام 2014، وبعد أن أُعدم أحد أقاربها في آمد على يد العدو، قطعت وعداً بالثأر، وانضمت إلى صفوف الكريلا وهي تحمل في قلبها وروحها حماس الخطو نحو الحرية. حققت هذا الانضمام بإرادة وإيمان كبيرين. فبالنسبة لها، كان السبيل الوحيد لأن يكون المرء شعباً، وأن يستطيع العيش بتاريخه وثقافته ولغته وإحساسه بذاته، هو الانخراط في النضال. فتحت قلبها للحقيقة حتى النهاية، وفتحت جناحيها نحو صفوف الكفاح.
أصبحت نودم الآن في وطنها الذي كانت تشتاق إليه، أي في كردستان. وأصبحت تناضل باسم نوال. تأثرت نوال بعمق بصدق الكريلا وبعلاقات الرفاقية. ولأنها كبرت بعيداً عن كردستان، واجهت في المراحل الأولى صعوبات في حياة الجبل. لكنها لم ترَ هذه الصعوبات في أي وقت عائقاً أمامها، بل مشت فوقها وتجاوزتها.
كانت نودم مثل جبل يستطيع رفاقها أن يسندوا ظهورهم إليه. كانت تمنح رفاقها الثقة من كل جانب، وكانت تُعلّمهم وتُنمّيهم. وبالصفات الثورية التي حملتها، كانت تلفت الانتباه في كل مكان تذهب إليه.
«خلقت الاحترام بحياتها»
قبل أن تنضم نوال إلى الكريلا، كانت قد جعلت من هدفها، كفتاة شابة خطت إلى صفوف النضال، أن تخلق في شخصيتها مقاييس الكريلا، وأسلوب حياة حزب العمال الكردستاني، ومبدأ الحياة الحرة. وكانت تبحث بلا تردد عن الاندماج الكامل بالحياة. ولهذا كانت تخلق الحياة باحترام في كل مكان تذهب إليه. ومع مرور الوقت بدأت تتعمق في كل معنى. وبما تلقته من تدريبات، زادت وعيها أكثر، وشعرت بغضب كبير تجاه العدو. لأنها أدركت، كشعب كردي، أي إبادة نعيش في داخلها. كانت نوال، القلب الشاب للثورة، بموقفها وأسلوبها وأحاديثها، تدفع الوسط الذي توجد فيه إلى مزيد من النظام والانضباط. وفي مثل هذه القضايا كانت تؤدي دائماً دور الريادة الطبيعية.
«رأت نفسها دائماً مسؤولة تجاه شعبها»
من خلال التدريبات التي تلقتها، أدركت نوال حقيقتها، ودخلت في جهد دائم من أجل التعمق أكثر في مبادئ حرية المرأة. وفي جميع الأعمال التي شاركت فيها، كانت صاحبة موقف نشط وناجح. كانت نوال، بصفتها كريلا في وحدات المرأة الحرة ـ ستار، ترى نفسها دائماً مسؤولة تجاه شعبها، وكانت تريد إفشال كل الهجمات التي تتطور ضد الشعب الكردي. وفي ساحة متينا شاركت في الأعمال بحماس وفرح كبيرين من أجل إنجاز مهام المرحلة.
«اتخذت دائماً خط الفدائية أساساً لها»
كانت الكريلا نوال دائماً يدها على الزناد في وجه هجمات العدو التي قد تتطور. وكانت تستحضر في كل لحظة رفاقها الذين استُشهدوا بروح فدائية في المقاومة الملحمية التي تطورت في منطقة متينا، من زندورا إلى تلة هكاري، وكانت تريد أن تكون جديرة بهم. ولهذا كانت دائماً تُحضّر نفسها ورفاقها في وجه هجمات العدو التي قد تتطور في الساحة.
في هجوم الاحتلال الذي بدأته الدولة التركية في منطقة متينا بتاريخ 16 حزيران 2024، كانت الكريلا نوال دائماً في بحث عن ضرب العدو من أجل أخذ ثأر رفاقها الشهداء والشعب الكردي. وكما كانت مثالاً لرفاقها في الحياة، كانت مثالاً لهم في الحرب أيضاً. وفي 30 حزيران 2024، في ذكرى استشهاد القائدة الفدائية زيلان، أرادت الكريلا نوال تنفيذ عملية ثأر قوية ضد العدو. وفي هذه العملية، ومع رفيقيها جيان وديجوار، اللذين كان قلباهما يخفقان مثلها من أجل الحرية، قاتلت العدو بروح فدائية وبلغت مرتبة الشهادة.
الطريق يُقطع بالسير فيه. والحقيقة تُوجد بالبحث عنها، والإنسان يعيش انعكاسات ذلك في ذاكرته وذاته لحظة بلحظة. والحقيقة هي أن كرامة أن يكون الإنسان فرداً لا ينبغي أن تُداس، وأن الحواجز التي تُقام أمام الوجود يجب أن تُزال. ومن أجل ذلك، صارت الكريلا نوال، في الطريق الذي خرجت إليه، واحدة من اللواتي حطّمن كل العوائق أمام الوجود الأبدي كمناضلة خالدة. وأكبر ميراث تركته لشعبها ورفاقها هو أن تكون صوتَ الحياة الكريمة ونَفَسها وروحها. وهذه الروح هي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى حية إلى الأبد.
